Tag Archive | مواطنة

ختم

كان لدي حلم مروع. لا أتساءل كثيرًا عن الحلم نفسه، لكني أتساءل كيف أجد الشجاعة لأحلم بأشياء مروعة، عندما أكون مواطنًا هادئًا ومحترمًا، طفل مطيع لأمنا العزيزة المنكوبة صربيا، تمامًا مثل جميع أطفالها الآخرين. بالطبع، كما تعلم، إذا كنت استثنائي في أي شيء، فسيكون الأمر مختلفًا، لكن لا يا صديقي العزيز، أفعل نفس الشيء تمامًا مثل أي شخص آخر، وفيما يتعلق بالحذر في كل شيء، لا يمكن لأحد أن يضاهيني في هذا الأمر. بمجرد أن رأيت زرًا لامعًا لزي شرطي ملقى في الشارع، وحدقت في وهجه السحري، تقريبًا و أنا علي وشك المرور، مملوءا بالذكريات الجميلة، فجأة، بدأت يدي ترتجف وترتفع لإلقاء التحية ؛ انحنت رأسي إلى الأرض من تلقاء نفسها، وانفتح فمي إلى تلك الابتسامة الجميلة التي نرتديها جميعًا عندما نحيي رؤسائنا.

– الدم النبيل يجري في عروقي – هذا هوالأمر! – هذا ما كنت أفكر فيه في تلك اللحظة ونظرت بازدراء إلى العابر الغاشم الذي داس على الزر بلا مبالاة.

– غاشم! – قلت بمرارة، وبصقت، ثم مشيت بهدوء، معززًا بفكرة أن مثل هؤلاء المتوحشين قليلون ؛ وكنت سعيدًالأن الله قد وهبني قلبًا نقيًا ودمًا نبيلًا شهمًا مثل الذي كان لأسلافنا.

حسنًا، يمكنك الآن أن ترى كم أنا رجل رائع، لست مختلفًا على الإطلاق عن المواطنين المحترمين الآخرين، ولا شك أنك ستتساءل كيف يمكن أن تحدث مثل هذه الأشياء الفظيعة والحمقاء في أحلامي.

لم يحدث لي شيء غير عادي في ذلك اليوم. تناولت عشاءً جيدًا وبعد ذلك جلست أنظف أسناني في وقت الفراغ. أرتشف نبيذي، وبعد ذلك، بعد أن استخدمت حقوقي بشجاعة كمواطن، ذهبت إلى الفراش وأخذت معي كتابًا من أجل أن يساعدني علي النوم بشكل أسرع.

سرعان ما انزلق الكتاب من يدي، بعد أن أشبع رغبتي بالطبع، وبعد أن أنجزت كل واجباتي، نمت بريئا مثل الحمل.

وجدت نفسي في الحال على طريق ضيق موحل يمر عبر الجبال. ليلة سوداءباردة. تعوي الرياح بين الأغصان القاحلة وتجرح مثل أمواس الحلاقة كلما لمست جلدي المكشوف. السماء سوداء، قاحلة، ومخيفة، والثلج، مثل الغبار، يدخل في عين المرء ويضرب على وجهه. لا روح حية في أي مكان. أمشي بسرعة أكبر بين الحين والآخر أنزلق على الطريق الموحل إلى اليسار، إلى اليمين. إنني أترنح وأسقط وفي النهاية ضل طريقي، أتجول – الله أعلم أين – وهي ليست ليلة قصيرة عادية، بل تبدو كأنها قرن من الزمان، وأنا أمشي طوال الوقت دون أن أعرف أين أمشي أو إلي أين أتجه.

مشيت لسنوات عديدة وجئت إلى مكان بعيد، بعيد عن بلدي الأم مشيت إلى جزء غير معروف من العالم، إلى أرض غريبة ربما لا يعرفها أحد، وأنا متأكد من أنه لا يمكن رؤيتها إلا في الأحلام.

بينما أتجول في الأرض, جئت إلى مدينة كبيرة يعيش فيها الكثير من الناس. في السوق الكبير، كان هناك حشد ضخم من الناس، وحدثت ضوضاء مروعة، ضوضاءتكفي لتفجير طبلة الأذن. أقمت في نزلمواجه للسوق وسألت المالك عن سبب تجمع هذا الحشد الكبير…

– نحن شعب هادئ ومحترم – بدأ قصته – نحن مخلصون ومطيعون لعمدة المنطقة.

– هل العمدة هو السلطة العليا لكم؟ – سألته مقاطعا.

– العمدة هو السلطة العليا لدينا ؛ تأتي الشرطة بعد ذلك.

-ضحكت.

–  لماذا تضحك؟ … الم تكن تعلم؟ … من أي بلد أنت؟

أخبرته كيف ضللت طريقي، وأنني أتيت من أرض بعيدة – صربيا.

– لقد سمعت عن ذلك البلد الشهير! –قالها هامسا لنفسه، ونظر إلي باحترام، ثم تكلم بصوت عالٍ:

– هذه هي طريقتنا – وتابع – يحكم العمدة هنا مع رجاله الشرطيين.

– كيف حال رجال الشرطة لديك؟

– حسنًا، هناك أنواع مختلفة من رجال الشرطة – تختلف بحسب رتبهم. هناك الأكثر تميزًا والأقل تميزًا … نحن، كما تعلم، أناس هادئون ومحترمون، لكنالمشردين يأتون من الأحياء المجاورة، فهميفسدوننا ويعلمونا الشر. لتمييز كل مواطن من مواطنينا عن غيره من الناس، أصدر القاضي أمس أمرًا بأن يذهب جميع مواطنينا إلى المحكمة المحلية، حيث يتم وضع ختم على جبين كل منا. هذا هو السبب في أن الكثير من الناس اجتمعوا: من أجل أن يأخذوا استشارة أو نصيحةعلي ما يجب القيام به.

ارتجفت وظننت أنني يجب أن أهرب من هذه الأرض الغريبة بأسرع ما يمكن، لأنني، على الرغم من أنني صربي، لم أكن معتادًا على مثل هذا العرض لروح الفروسية، وكنت قلقًا حيال ذلك!

ضحك صاحب النزل بلطف وربت على كتفي وقال بفخر:

– آه، أيها الغريب، هل هذا كافٍ لتخويفك؟ لا عجب، عليك أن تقطع شوطا طويلا لتجد شجاعة مثل شجاعتنا!

– وماذا تنوي أن تفعل؟ – سألت بخجل.

– يا له من سؤال! سترى كم نحن شجعان. أقول لك إن عليك أن تقطع شوطا طويلا لتجد شجاعة مثل شجاعتنا. أنت سافرت مسافات بعيدة وشاهدت العالم، لكنني متأكد من أنك لم و لن ترَ أبدًا أبطالًا أعظم منا. دعنا نذهب هناك معا. يجب علي أن أسرع.

كنا على وشك الذهاب عندما سمعنا، أمام الباب، صوت لسعالسوط.

نظرت إلى الخارج: كان هناك مشهد يستحق المشاهدة – رجل يرتدي قبعة لامعة للخدمة العسكرية و بها ثلاثة قرون على رأسه، يرتدي بدلة مبهرجة، كان يركب ظهر رجل آخر بملابس غالية و فخمة جدًا من قطع ملابس مدنية عادية. توقف أمام النزل ونزل الراكب.

خرج مالك النزل وانحنى على الأرض، وذهب الرجل الذي يرتدي البدلة المبهرجة إلى النزل إلى طاولة مزينة بشكل خاص. الرجل الذي كان يرتدي ثياباً مدنية بقي أمام النزل وانتظر. انحنى له المالك أيضًا.

– ما كل هذا؟ – سألت المالك، في حيرة شديدة.

– حسنًا، الشخص الذي دخل النزل هو شرطي من رتبة عالية، وهذا الرجل هو واحد من أكثر مواطنينا تميزًا، غني جدًا، ووطني عظيم، – همس المالك.

– لكن لماذا ترك الآخر يركب على ظهره؟

هز المالك رأسه وتنحينا جانبًا. ابتسم لي ابتسامة مزدهرة وقال:

– نعتبره شرفًا عظيمًا نادرًا ما يُستحق! – أخبرني الكثير من الأشياء إلى جانب ذلك، لكنني كنت متحمسًا جدًا لدرجة أنني لم أتمكن من فهمها كلها. لكنني سمعت بوضوح ما قاله في النهاية: – إنها خدمة المواطن لبلده, ما لم تتعلم جميع الدول حتى الآن تقديرها!

 

لقد جئنا إلى الاجتماع وكان انتخاب الرئيس جاريًا بالفعل.

وضعت المجموعة الأولى رجلاً اسمه كولب، إذا تذكرت الاسم بشكل صحيح، كمرشحها للكرسي ؛ المجموعة الثانية أرادت طالب (اسم المرشح)، والمجموعة الثالثة كان لها مرشحها.

كان هناك ارتباك مخيف. أرادت كل مجموعة دفع رجلها.

– أعتقد أنه ليس لدينا رجل أفضل من كولب لرئاسة مثل هذا الاجتماع المهم، – قال صوت من المجموعة الأولى – لأننا جميعًا نعرف جيدًا فضائله كمواطن وشجاعته العظيمة. لا أعتقد أن هناك أي شخص بيننا هنا يمكنه التباهي بعدد الأشخاص المهمين الذين ركبوه مثل كولب…

– من أنت لتتحدث عن ذلك؟ – صرخ أحدهم من المجموعة الثانية. – لم يركبك كاتب شرطة مبتدئ أبدا!

– نحن نعلم ما هي فضائلك – صرخ شخص من المجموعة الثالثة. – لا يمكنك أن تتحمل ضربة واحدة بالسوط بدون عويل!

– دعونا نصلح هذا، أيها الإخوة! – بدأ كولب. – صحيح أن شخصيات مرموقة كانوا يركبون على ظهري منذ عشر سنوات ؛ لقد جلدوني ولم أبكي أبدًا، لكن قد يكون هناك من يستحقون بيننا أكثر. ربما يكون هناك شباب أفضل.

– لا، لا، – صرخ أنصاره.

– لا نريد أن نسمع عن مرات الشرف القديمة! لقد مرت عشر سنوات على الركوب على كولب، – صاحت أصوات المجموعة الثانية.

– الدم الصغير يسيطر، دع الكلاب العجوزة تمضغ العظام القديمة، – قالها البعض من المجموعة الثالثة.

وفجأة لم يعد هناك ضوضاء. تحرك الناس للخلف، يسارًا ويمينًا، لإخلاء الطريق ورأيت شابًا في الثلاثين تقريبًا. عندما اقترب، انحنت كل الرؤوس.

– من هذا؟ – همست لمالك العقار.

– هو القائد الشعبي. شاب لكنه واعد جدا. كان بإمكانه في أيامه الأولى التباهي بأنه حمل العمدة على ظهره ثلاث مرات. إنه أكثر شهرة من أي شخص آخر.

– ربما سينتخبونه؟ – أنا سألت.

– هذا أكثر من مؤكد، لأنه كما هو الحال بالنسبة لجميع المرشحين الآخرين – سنهم كلهم كبير جدا، تجاوزهم الزمن، أما هذا, فقد ركب القاضي ظهره لبعض الوقت بالأمس.

– ما اسمه؟

– كليرد.

أعطوه مكانة شرف كبيرة.

– أعتقد، – كسر صوت كولب الصمت – أننا لا نستطيع إيجاد رجل أفضل لهذا المنصب من كليرد. إنه شاب صغير السن، لكن لا أحد منا نحن الكبار يساويه شرفا.

– اسمعوا، اسمعوا!… يحيا كليرد!… – هتفت كل الأصوات.

أخذه كولب وطالب إلى مكان الرئيس. انحنى الجميع بشدة، وساد صمت تام.

– أشكركم أيها الإخوة على احترامكم الكبير وهذا الشرف الذي منحتموه لي بالإجماع. آمالكم، التي تركتموها معي الآن، مغرية للغاية. ليس من السهل توجيه سفينة رغبات الأمة في مثل هذه الأيام العظيمة، لكنني سأفعل كل ما في وسعي لإستحقاق و عدم خيانة ثقتكم، وتمثيل رأيكم بصدق، ولأستحق تقديركم الكبير لي. أشكركم يا إخواني على انتخابي.

– مرحى! مرحي! مرحي! – دوت أصوات الناخبين كالرعد من جميع الجهات.

– والآن، أيها الإخوة، أرجو أن تسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن هذا الحدث المهم. ليس من السهل أن نعاني مثل هذه الآلام أو العذاب المخبأ لنا ؛ ليس من السهل أن تكون جبهة المرء موسومة بالحديد الساخن. في الواقع، لا – إنها آلام لا يستطيع جميع الرجال تحملها. لندع الجبناء يرتجفون، دعوهم يرتعدون من الخوف، لكن يجب ألا ننسى للحظة أننا أبناء أسلافنا شجعان، وأن الدماء الكريمة البطولية لأجدادنا تسيل في عروقنا، والفرسان العظام الذين كانوا يموتون من دون أنترعش جفونهم, من أجل الحرية ولصالحنا نحن, ذريتهم الصالحة. معاناتنا طفيفة، إذا تمت مقارنتها بمعاناتهم – فهل نتصرف كأعضاء في سلالة منحطة وجبانة الآن بعد أن عشنا أفضل من أي وقت مضى؟ كل وطني حقيقي، كل من لا يريد أن يضع شعبنا في عار أمام العالم بأسره، سيتحمل الألم كرجل وبطل.

– اسمعوا! اسمعوا! يحيا كليرد!

كان هناك العديد من المتحدثين المتحمسين بعد كليرد ؛ لقد شجعوا الناس الخائفين وكرروا بشكل أو بآخر ما قاله كليرد.

ثم طلب رجل عجوز شاحب متعب، بوجه متجعد وشعره ولحيته بيضاء كالثلج، أن يتحدث. كانت ركبتيه ترتجفان مع تقدم العمر ويداه ترتجفان وظهره منحني. ارتجف صوته و كانت عيناه مملوئتان بالدموع.

– أبنائي، – بدأت بالدموع تنهمر على خده الأبيض المتجعد وتسقط على لحيته البيضاء، – أنا بائس وسأموت قريبًا، ولكن يبدو لي أنه من الأفضل ألا تسمحوا لمثل هذا العار أن يأتي إليكم . عمري مائة عام وعشت حياتي كلها بدون ذلك!… لماذا يجب أن تنعكس ماركة العبودية على رأسي الأبيض المتعب الآن؟…

– فليسقط هذا الوغد العجوز! – صرخ الرئيس.

– فليسقط! – صرخ آخرون.

– العجوز الجبان!

– بدلاً من تشجيع الشباب، فهو يخيف الجميع!

– يجب أن يخجل من شعره الأبيض! لقد عاش طويلاً، ولا يزال خائفًا – نحن الشباب أكثر شجاعة…

– يسقط الجبان!

– ارموه خارجا!

– فليسقط!

اندفع حشد غاضب من الشباب الوطنيين الشجعان إلى الرجل العجوز وبدأوا في دفعه وسحبه وركله من شدة غضبهم.

أخيرًا سمحوا له بالرحيل بسبب عمره – وإلا لكانوا قد رجموه حياً.

لقد تعهدوا جميعًا بأن يكونوا شجعانًا غدًا وأن يظهروا أنهم يستحقون شرف ومجد أمتهم.

غادر الناس الاجتماع بترتيب ممتاز. و كل فرقة قالت:

– غدا سنري معدن كل شخص منا!

– سنقوم بفرز المتفاخرين غدا!

– لقد حان الوقت لكي يميز المستحقون أنفسهم عن غير المستحقين، حتى لا يقدرأي نذل التباهي بقلب شجاع!

 

عدت إلى النزل.

– هل رأيت ما نحن مصنوعون منه؟ – سألني المالك بفخر.

– بالفعل رأيت، – أجبت تلقائيًا، وشعرت أن قوتي قد هجرتني وأن رأسي كان يطن مملوءا بالانطباعات الغريبة.

في ذلك اليوم بالذات قرأت في صحيفتهم مقالًا يتصدر الجريدة جاء على النحو التالي:

– أيها المواطنون، حان الوقت لوقف التفاخر والتباهي الباطل بيننا؛ حان الوقت للتوقف عن تقدير الكلمات الفارغة التي نستخدمها بكثرة من أجل إظهار فضائلنا الوهمية. لقد آن الأوان، أيها المواطنون، أن نختبر كلماتنا وأن نظهر و نميز من يستحق هذا الشرف ومن لا يستحق! لكننا نعتقد أنه لن يكون بيننا جبناء مخجلون سيتعين جلبهم بالقوة إلى مكان وضع الختم علي الجبين. كل واحد منا يشعر في عروقه بقطرة من الدم النبيل لأجدادنا، سيكافح ليكون من أوائل من يتحمل الألم والكرب بفخر وهدوء، فهذا ألم مقدس، إنه تضحية من أجل خير بلدنا ولصالحنا جميعاً. إلى الأمام أيها المواطنون، فغدًا هو يوم الاختبار النبيل!…

 

ذهب صاحب النزل إلى الفراش في ذلك اليوم بعد الاجتماع مباشرة من أجل الوصول في أقرب وقت ممكن إلى المكان المحدد في اليوم التالي. ومع ذلك، ذهب الكثيرون مباشرة إلى دار البلدية ليكونوا أقرب ما يمكن إلى رأس قائمة الانتظار.

في اليوم التالي ذهبت أيضًا إلى دار البلدية. كان الجميع هناك – صغارًا وكبار، ذكورًا وإناث. أحضرت بعض الأمهات أطفالهن الصغار بين أذرعهن حتى يمكن وصمهم بعلامة العبودية، أي الشرف، وبالتالي الحصول على حق أكبر في المناصب العليا في الخدمة المدنية.

كان هناك شتم و تدافع (في هذا الأمر هم يشبهوننا نحن الصرب، وكنت سعيدًا إلى حد ما)، وكان الجميع يجاهدون ليكونوا أول من يقف عند الباب. حتى أن البعض منهم كانوا يجذبون الآخرين من الحلق.

تم وضع علامات الجبين من قبل موظف حكومي خاص يرتدي بدلة رسمية بيضاء كان يوبخ الناس بشكل خفيف:

– لا تتدافعوا، حبا في الله، سيأتي دور الجميع – أنتم لستم حيوانات، أعتقد أننا نستطيع تدبر الأمر دون دفع.

بدأ وضععلامات الجبين. صرخ أحدهم، والآخر تأوه فقط، لكن طوال فترة وجودي هناك لم يستطع أحد تحمل وضع الختم علي جبينه بدون إصدار صوت.

لم أستطع تحمل مشاهدة هذا التعذيب لفترة طويلة، لذلك عدت إلى النزل، لكن البعض منهم كان يأكل ويشرب هناك.

– لقد انتهينا! – قال أحدهم.

– حسنًا، لم نصرخ حقًا، لكن طالب كان ينهق مثل الحمار!… – قال آخر.

– أرأيت ماذا فعل مرشحكم طالب، و أنت الذي أردت تعيينه رئيسًا للاجتماع أمس.

– بالفعل رأيت، لا يمكنك أن تتوقع شئ مثل هذا!

كانوا يتكلمون و هم يتأوهون و يتلوون من الألم، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك عن بعضهم البعض، لأن كل منهم كان يخجل من أن يُعتقد أنه جبان.

أحس كليرد بالعار، لأنه تأوه، لكن رجل يدعى لير كان بطلاً لأنه طلب أن يوضع علامتان على جبهته ولم يصدر أي صوت من الألم. كل البلدة كانت تتحدث عنه  باحترام كبير.

هرب بعض الناس، لكن الجميع احتقرهم.

بعد بضعة أيام، كان الشخص الذي يحمل علامتين على جبهته يتجول برأس مرفوع، بكرامة واحترام للذات، مليء بالمجد والفخر، وحيثما ذهب، انحنى الجميع وخلع قبعته لتحية بطل اليوم .

ركض الرجال والنساء والأطفال وراءه في الشارع لرؤية أعظم رجل في البلاد. أينما ذهب، تبعه همسة مستوحاه من الرهبة: „لير، لير! … انه هو! .. هذا هو البطل الذي لم يعوي، الذي لم يصدر أي صوت أثناء وضع علامتان على جبهته! „كان يتصدر عناوين الصحف، ممدوح وممجد.

واستحق حب الناس.

 

بينما كنت أستمع إلى هذا الثناء في كل مكان, بدأت أشعر بالدم الصربي القديم النبيل الذي يسيل في عروقي، كان أسلافنا أبطالًا، لقد ماتوا مخذوقين علي عوارض خشبية من أجل الحرية ؛ لدينا أيضا ماضينا البطولي و(كوسوفو). أشعر بالإثارة و بالفخر الوطني والغرور، وأحرص على إظهار مدى شجاعة سلالتي وأن أهرع إلى دار البلدية صارخا:

– لماذا تمدحون لير؟… لم تروا أبدًا أبطالًا حقيقيين! تعالوا وانظروا بنفسكم كيف يكون الدم الصربي النبيل! أريدك أن تضع عشر أختام على رأسي، وليس اثنين فقط!

أحضر الموظف المدني بالبدلة البيضاء ختمه الحديدي بالقرب من جبهتي، و قبل أن يوضع علي جبهتي بثوانٍ… استيقظت من حلمي.

فركت جبهتي في خوف وعاتبت نفسي، متسائلاعن الأشياء الغريبة التي تظهر في الأحلام.

– كدت أمحي مجد لير بطلهم، – فكرت راضيا، انقلبت، وكنت إلي حد ما أشعر بالحزن لأني لم أصل لنهاية حلمي.

 

في بلغراد، 1899.
عن مشروع «رادوي دومانوڤيتش» ترجمة: د. بيشوي عاطف قيصر، 2020.

المنطق للثور الصربي العادي

تحدث الكثير من العجائب في هذا العالم عامةً و في بلدنا خاصةً، كما يقول الكثيرون، يفيض عالمنا بالعجائب إلى درجة أن العجائب لم تعد عجائب. هناك أشخاص هنا في مناصب عالية جدًا لا يفكرون على الإطلاق، وكتعويض، أو ربما لأسباب أخرى، بدأ ثور مملوك لفلاح عادي، لا يختلف كثيرا عن الثيران الصربية الأخرى، في التفكير. يعلم الله ما حدث ليجعل هذا الحيوان العبقري يجرؤ على القيام بمثل هذا المسعى الصاخب، خاصة أنه قد ثبت أن هذا الفعل المؤسف في صربيا لن يؤدي إلا إلى الإضرار بك. فلنقل إذن أن هذا الشيطان المسكين، بكل سذاجته، لم يعرف حتى أن التفكير غير مربح في وطنه، لذلك لن ننسب إليه أي شجاعة مدنية. ولكن لا يزال لغزا لماذا يفكر الثور لأنه ليس ناخبًا أو مستشارًا أو قاضيًا، ولم يتم انتخابه نائباً في أي جمعية للأبقار، أو حتى (إذا كان قد بلغ سنًا معينة) محافظًا. ولو أن الروح المسكينة حلمت يومًا بأن تصبح وزيرة دولة في أي بلد بقر، كان يجب أن يعرف أنه, على النقيض، يجب أن يفكر بأقل قدر ممكن، مثل هؤلاء الوزراء الممتازين في بعض البلدان الأكثر سعادة، على الرغم من أن بلدنا ليس محظوظًا جدًا فيهذا الصدد أيضًا. في النهاية، لماذا يجب أن نهتم لماذا اتخذ ثور في صربيا مسعى تخلى عنه الناس؟ أيضًا، ربما حدث أنه بدأ في التفكير فقط بسبب بعض الغريزة الطبيعية لديه.

إذن، أي نوع من الثور هذا؟ ثور عادي له، كما يعلمنا علم الحيوان، رأس وجسد وأطراف، مثل جميع الثيران الأخرى ؛ يجر عربة، يرعى على العشب، يلعق الملح، يجتر وينقل. اسمه سيفونيا، الثور الرمادي.

ها هي الطريقة اللتي بدأ بها التفكير. في أحد الأيام قام سيده بشده و ربطه إلي العربة هو وصديقه، جالونيا، وحمَل بعض الأوتاد المسروقة على العربة وأخذوها إلى المدينة لبيعها. فور دخوله البلدة، باع الأوتاد، ثم قام السيد بفكسيفونيا ورفيقه من العربةو ربط السلسلة التي تربطهما بالعربة، وألقى حزمة من الأعشاب أمامهم، وذهب بمرح إلى حانة صغيرة لينتعش بقليل من المشروبات. كان هناك مهرجان مستمر في البلدة، وكان هناك رجال ونساء وأطفال يمرون من جميع الجهات. جالونيا، المعروف أيضًا للثيران الأخرى على أنه غبي إلى حد ما، لم ينظر إلى أي شيء، بدلاً من ذلك، تمسك بغداءه بكل جدية، وأكل ملئ بطنه، ونهق قليلاً من المتعة الخالصة، ثم استلقى، ونعس بلطف و هدوء. كل هؤلاء الناس الذين يمرون من جانبه لم يشكلوا أي مصدر قلق له. إنه فقط يغفو ويفكر بسلام (إنه لأمر مؤسف أنه ليس إنسانًا، مع كل هذه الميول لمهنة نبيلة). لكن سيفونيا لم يستطيع أن يأخذ قضمة واحدة. أظهرت عيناه الحالمتان وتعابير وجهه الحزينة أنه كان مفكرًا وروحه حلوة وقابلة للتأثر. الناس، الصرب، يمرون به، فخورون بماضيهم المجيد، باسمهم، أمتهم، وهذا الفخر يظهر في سلوكهم الصارم ووتيرتهم. لاحظ سيفونيا كل هذا، وفجأة استهلكت روحه الحزن والألم بسبب الظلم الهائل، ولم يستطع إلا أن يستسلم لمثل هذه المشاعر القوية والمفاجئة والقوية ؛ نهق نهيقًا حزينًا و مؤلمًا، والدموع تتدحرج في عينيه. وفي ألمه الشديد، بدأ سيفونيا يفكر:

— ما الذي يتفاخر به سيدي و أصدقائه الصرب ؟ لماذا يرفعون رؤوسهم في إعتزاز هكذا وينظرون إلى شعبي بازدراء و تغطرس؟ إنهم فخورون بوطنهم الأم، وفخورون بأن القدر الرحيم منحهم أن يولدوا هنا في صربيا. والدتي أنجبتني هنا في صربيا أيضًا، وصربيا ليست موطني الأصلي فحسب، بل هي موطن والدي أيضًا، وقد أتى أجدادي، مثلهم تمامًا، إلى هذه الأراضي من الوطن السلافي القديم. ومع ذلك، لم يشعر أي منا بالفخر بهذا الشأن، نحن نفخر بقدرتنا على رفع حمولة ثقيلة صعودًا إلي أعلي التلة ؛ حتى يومنا هذا، لم يخبر الثور أبدًا ثورًا ألمانيًا: „ماذا تريد مني، أنا ثور صربي، موطني هو بلد صربيا الجميلة، كل أسلافي ولدوا هنا، وهنا، في هذه الأرض هي قبور آبائي. „لا سمح الله، نحن لم نفخر بهذا أبدًا، ولم يخطر ببالنا أبدًا، وهم حتى فخورون بذلك. قوم غريبون!

بسبب هذه الأفكار، هز الثور رأسه بحزن، ورن الجرس على رقبته وطقطق النير. فتح جالونيا عينيه، ونظر إلى صديقه، وقال:

— ها أنت ذا مرة أخرى مع هذا الهراء الذي لك! كل، أيها الأحمق، احصل لنفسك علي بعد الدهون، انظر إلى أضلاعك البارزة ؛ لو كان التفكير أمرًا جيدًا، لما تركه الناس لنا نحن الثيران. لن نكون محظوظين إلي هذه الدرجة!

نظر سيفونيا إلى رفيقه بشفقة، وأدار رأسه عنه، وانغمس في أفكاره مجددًا.

— يفخرون بماضيهم المجيد. لديهم ميدان كوسوفو، معركة كوسوفو. أمر جلل، ألم يكن أجدادي يجرون العربات المحملة بالطعام والأسلحة في ذلك الوقت؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، لكان على الناس أن يفعلوا ذلك بأنفسهم. ثم هناك الانتفاضة ضد الأتراك. مسعى عظيم نبيل، لكن من كان هناك في ذلك الوقت؟ هل هؤلاء الحمقى ذوو الأنوف العالية، يتفاخرون أمامي بفخر كما لو أن هذه هي مزاياهم، من أثار الإنتفاضة؟ خذ سيدي كمثال. هو أيضًا فخور جدًا ويتفاخر بالانتفاضة، خاصةً مع حقيقة أن جده الأكبر قد مات في حرب التحرير كبطل حقيقي. وهل هذا فضل سيدي؟ كان لجده الأكبر الحق في الفخر بهذا العمل ،لكن ليس هو ؛ مات جده حتى يكون سيدي، ذريته، حرا. فهو حر فكيف يستخدم حريته؟ إنه يسرق أوتاد الآخرين، ويجلس على العربة، وعلي أن أسحبه و هو نائم وأن أسحب أيضًا الأوتاد المسروقة . الآن باع الأوتاد، يشرب الخمور، ولا يفعل شيئًا ويفخر بماضيه المجيد. وكم من أسلافي قُتلوا في الانتفاضة لإطعام المقاتلين؟ أولم يكن أجدادي في ذلك الوقت يسحبون الأسلحة والمدافع والطعام والذخيرة؟ ومع ذلك فنحن لا نفتخر بمزاياها لأننا لم نتغير. ما زلنا نقوم بواجبنا اليوم، تمامًا كما فعل أسلافنا، بصبر وضمير.

إنهم فخورون بمعاناة أسلافهم وبخمسمائة عام من العبودية. لقد عانى أقاربي طوال وجودنا، وما زلنا نعاني اليوم ونستعبد، ومع ذلك فنحن لا نصرخ عليهم بأعلى أصواتنا. يقولون إن الأتراك عذبوهم وذبحوهم وخوزقوهم ؛ حسنًا، لقد تم ذبح أجدادي على أيدي الصرب والأتراك على حد سواء، وشويوا، وتعرضوا لكل أنواع التعذيب.

إنهم فخورون بدينهم، ومع ذلك فهم لا يؤمنون بأي شيء. ما ذنبي أو ذنب أهلي حتى لا نُقبل بين المسيحيين؟ دينهم يقول لهم „لا تسرق“ وهناك سيدي يسرق ويشرب من المال الذي حصل عليه من السرقة. دينهم يوجههم إلى حب جيرانهم، ومع ذلك فهم يضرون بعضهم البعض. بالنسبة لهم، فإن أفضل الرجال، مثال على الفضيلة، هو من لا يفعل أي شئ سئ، وبالطبع لا أحد يفكر حتى في مطالبة الآخر بفعل الخير، فقط يطلبون من بعضهم البعض عدم إلحاق الضرر. هذا هو مدى ضعفهم في أمثلة الفضيلة حيث أنها لا تزيد عن أي شيء عديم الفائدة لا يسبب ضررًا.

تنهد الثور بعمق، ورفع تنهده الغبار عن الطريق.

— إذن – استمر الثور بأفكاره الحزينة – في هذه الحالة ألست أنا وأقاربي أفضل في كل ذلك من أي منهم؟ لم أقتل أي شخص قط، لم أشهِّر بأحد، ولم أسرق شيئًا، ولم أطرد رجلًا بريئًا من الخدمة العامة، ولم أصنع عجزًا في خزينة الدولة، ولم أعلن إفلاسًا وهميًا، لم أقيد أو ألقي القبض على الأبرياء أبدًا، ولم أشيبأصدقائي أبدًا، ولم أعارض مبادئيكثور أبدًا، ولم أدلي بشهادات زور، ولم أكن أبدًا وزير دولة ولم أتسبب في أي ضرر للبلد، ليس فقط لم أفعل أي ضرر, بل أنني أفعل الخير لمن يضروني و يؤذونني. أنجبتني والدتي، وعلى الفور أخذ الرجال الأشرار مني حليب أمي. لقد خلق الله لنا العشب وليس للبشر، ومع ذلك فإنهم يحرموننا منه أيضًا. ومع ذلك، إلى جانب كل هذا الضرب، نسحب عربات الرجال ونحرث حقولهم ونطعمهم الخبز. ومع ذلك لا أحد يعترف بمزايانا التي نقدمها للوطن الأم …

— أو خذ الصوم كمثال. حسنًا، بالنسبة للرجال، يأمر الدين بالصيام في جميع أيام العيد، ومع ذلك فهم غير مستعدين حتى لتحمل هذا الصيام الصغير، بينما أنا وقومي نصوم طوال حياتنا، منذ أن فطمنا لأول مرة عن ثدي الأم.

خفض الثور رأسه كما لو كان قلقًا، ثم رفعه مرة أخرى، وشخر بغضب، وبدا أن شيئًا مهمًا كان يعود إليه، يعذبه ؛ فجأة، صرخ بفرح:

— أوه، أنا أعلم الآن، لابد أن يكون هكذا – واستمر في التفكير – هذا ما هو عليه ؛ إنهم فخورون بحريتهم وحقوقهم المدنية. أحتاج أن أضع عقلي في ذلك بجدية.

وكان يفكر ويفكر، لكنه لم يستطع فهم ذلك.

— ما هي حقوقهم هذه؟ إذا أمرتهم الشرطة بالتصويت، فإنهم يصوتون، وهكذا، يمكننا بسهولة أن نفهم ذلك. وإذا لم يُطلب منهم ذلك، فهم لا يجرؤون على التصويت، أو حتى يتناقشوا في السياسة فيما بينهم، مثلنا تماما. كما يتعرضوا للضرب في السجن، حتى لو كانوا أبرياء تمامًا. على الأقل نحن ننهق ونلوح بأذيلنا، وهم لا يمتلكون حتى القليل من الشجاعة لفعل هذا.

وفي تلك اللحظة خرج سيده من الحانة. كان مخمورًا، مُترنحًا، عيناه مشوشتان، غمغم ببعض الكلمات غير المفهومة، مشى متعرجًا نحو العربة.

— انظروا فقط كيف يستخدم هذا المنحدر الفخور الحرية التي نالها بدماء أسلافه؟ صحيح، سيدي هو سكير ولص، لكن كيف يستخدم الآخرون هذه الحرية؟ فقط لكي يفتخروا بالماضي وبمزايا أسلافهم، حيث كان لهم نفس القدر من المساهمة مثلنا نحن الثيران، بقينا عمالًا مجتهدين ومفيدين تمامًا مثل أسلافنا. نحن ثيران، لكن لا يزال بإمكاننا أن نفخر بعملنا الشاق ومزايانا اليوم.

تنهد الثور بعمق وأعد عنقه للنير.

 

في بلغراد، 1902.
عن مشروع «رادوي دومانوڤيتش» ترجمة: د. بيشوي عاطف قيصر، 2020.