Tag Archive | لقاء

القائد — ٣

(الصفحة السابقة)

وهكذا مر اليوم الأول، وتبع ذلك أيام أخرى بنفس النجاح. لم يحدث شيء ذو أهمية كبيرة، فقط حوادث تافهة: سقطوا رأسًا في حفرة، ثم إلى وادٍ ؛ لقد حاربوا الأسيجة وشجيرات العليق ؛ داسوا على الشوك. بعضهمحصلوا علي كسور فيأذرعهم و سيقانهم. وأصيب البعض بضربات في الرأس. لكنهم تحملوا كل هذا العذاب. وقد تُرك عدد قليل من كبار السن ميتين على الطريق. „كانوا سيموتون حتى لو بقوا في المنزل، ناهيك عن الطريق!“ قال المتحدثون، مشجعين الآخرين على الاستمرار. كما لقي عدد قليل من الأطفال الصغار، من سنة إلى سنتين حتفهم. قام الوالدان بقمع آلامهم برزانة لأنها كانت إرادة الله. „وكلما كان الأطفال أصغر، كلما قل الحزن. عندما يكونون أصغر سنا يكون الحزن أقل. اللهم ارزق الآباء بعدم خسارة أبنائهم عند بلوغهم سن الزواج. إذا كان مصير الأطفال هكذا، فمن الأفضل أن يموتوا مبكرًا. هكذا لن يكون الحزن كبيرا جدا! “ واساهم المتحدث مرة أخري. قام البعض بلف القماش حول رؤوسهم ووضع كمادات باردة على كدماتهم. وحمل آخرون أذرعهم في حبال. كانوا جميعا ممزقين ومقطعين. كانت ملابسهم تتدلى إلى أشلاء، لكنهم مع ذلك تقدموا بسعادة إلى الأمام. كان من السهل تحمل كل هذا لو لم يتعرضوا للجوع عدة مرات. لكن كان عليهم الاستمرار.

في يوم من الأيام، حدث شيء أكثر أهمية.

كان القائد يسير في المقدمة، محاطًا بأشجع الرجال في المجموعة. (كان اثنان منهما مفقودان، ولم يعرف أحد مكان وجودهما. وكان الرأي العام أنهم خانوا قضيتهم وهربوا. وفي إحدى المرات، قال المتحدث شيئًا عن خيانتهم المخزية. فقط قلة منهم اعتقدوا أن الاثنين ماتا في الطريق، لكنهم لم يعبروا عن آرائهم حتى لا يثيروا الآخرين.) كان باقي المجموعة في الصف خلفهم. فجأة ظهر مضيق صخري كبير وعميق للغاية – هاوية حقيقية. كان المنحدر شديد الانحدار لدرجة أنهم لم يجرؤوا على اتخاذ خطوة إلى الأمام. حتى الأشجع منهم توقفوا ونظروا إلى القائد. كان عابسا، مستغرقًا في الأفكار ورأسه إلى أسفل، تقدم بجرأة إلى الأمام، ونقر بعصاه في المقدمة، أولاً إلى اليمين، ثم إلى اليسار، بطريقته المميزة. قال الكثيرون إن كل هذا جعله يبدو أكثر كرامة. لم ينظر إلى أحد ولم يقل أي شيء. على وجهه لم يكن هناك أي تغيير في التعبير أو أثر للخوف و هويقترب أكثر فأكثر من الهاوية. حتى أجرأ الرجال أصبح شاحبًا مثل الموت، لكن لم يجرؤ أحد على تحذير القائد الشجاع الحكيم. خطوتين أخريين وكان على الحافة. في خوف مروع وبعيون مفتوحة، ارتجف الجميع. كان أشجع الرجال على وشك كبح القائد للوراء، حتى لو كان ذلك يعني خرقًا للانضباط، عندما خطا خطوة أخري، غرق في الوادي الضيق. فحدث ارتباك ونحيب وصراخ. الخوف صار له اليد العليا. بدأ البعض في الفرار.

– انتظروا ايها الاخوة! ما الداعي إلى العجلة؟ هل هذه هي الطريقة التي تحفظ بها كلمتك؟ يجب أن نتبع هذا الرجل الحكيم لأنه يعرف ما يفعل. سيكون من الجنون أن يدمر نفسه. إلى الأمام، من بعده! هذا هو الخطر الأكبر وربما الأخير، والعقبة الأخيرة. من يعرف؟ ربما على الجانب الآخر من هذا الوادي سنجد أرضًا رائعة وخصبة قصدها الله لنا. إلى الأمام! بدون تضحية، لن نصل لأي مكان! – كانت هذه النصيحة التي أدلى بها المتحدث، وقد خطا خطوتين إلى الأمام، واختفى في الوادي الضيق. تبعه الشجعان ثم تبعه الجميع.

كان هناك عويل، أنين، هبوط على منحدر شديد الانحدار لهذا الوادي الشاسع. كان يمكن للمرء أن يقسم على أنه لن يخرج أحد على قيد الحياة، ناهيك عن أن يصاب أحد بأذى أو يخرج قطعة واحدة، لكن حياة الإنسان ثابتة. كان القائد محظوظًا بشكل غير عادي. علق على الشجيرات وهو يسقط حتى لا يصاب بأذى. تمكن من تجميع نفسه والخروج. وبينما كان هناك نحيب وأنين و بكاء يتردد في الأسفل، جلس بلا حراك، صامتًا متأملًا. بدأ قلة ممن تعرضوا للأذي يشتمونه بغضب لكنه لم يلتفت إليهم. أولئك الذين تمكنوا لحسن الحظ من الإمساك بغصن أو شجرة أثناء السقوط بدأوا يحاولون التسلق بقوة. كان البعض قد انشقت رؤوسهم حتى أن الدماء كانت تتدفق من وجوههم. لم يكن هناك أحد في قطعة واحدة إلا القائد. فجأة عبسوا في وجهه وبدأوا يأنون من الألم لكنه لم يرفع رأسه. كان صامتًا ويتخذ الوضع الذي يظهر أنه حكيم حقيقي!

مر بعض الوقت. أصبح عدد المسافرين أصغر وأصغر. كل يوم كان له أثره. البعض ترك المجموعة وعادوا.

من العدد الكبير الذي بدأ، بقي حوالي عشرين فقط. عكست وجوههم المرهقةو المتعبة علامات اليأس والشك والتعب والجوع، لكن لم يقل أحد كلمة واحدة. كانوا صامتين مثل زعيمهم واستمروا في التثاقل. حتى المتحدث المفعم بالحيوية هز رأسه بطريقة توضح أنه فاقد للأمل. كان الطريق صعبًا بالفعل.

تناقصت أعدادهم يوميًا حتى أصبحوا عشرة فقط. مع وجوههم اليائسة، كانوا يتأوهون فقط ويشكون بدلاً من التحدث.

لقد بدوا وكأنهم مقعدين أكثر من رجال. كان البعض على عجول. وحمل البعض أذرعهم في حبال مثبتة حول أعناقهم. كانت على أيديهم العديد من الضمادات والكمادات. حتى لو أرادوا تقديم تضحيات جديدة، لم يتمكنوا من ذلك لأنه لم يكن هناك مكان تقريبًا في أجسادهم لأي جروح جديدة.

حتى الأقوى والأشجع بينهم فقدوا بالفعل الإيمان والأمل لكنهم ما زالوا يكافحون أكثر ؛ أي أنهم عرجوا بطريقة ما مع بذلهم جهد كبير و إحساسهم بألم عظيم . ماذا يمكنهم أن يفعلوا إذا لم يتمكنوا من العودة؟ تضحيات كثيرة والآن هل سيتخلون عن الرحلة؟

حل الشفق. وهم يعرجون على عكازين، و فجأة رأوا أن القائد لم يعد أمامهم. خطوة أخرى وانغمسوا جميعًا في واد آخر.

– أوه، ساقي! أوه، يدي! – دوى النحيب والأنين. حتى أن صوتًا ضعيفًا شتم القائد المستحق لكنه سكت بعد ذلك.

عندما أشرقت الشمس، جلس القائد، كما كان في ذلك اليوم الذي اختير فيه. لم يكن هناك أدنى تغيير في مظهره.

وخرج المتحدث من الوادي وتبعه اثنان آخران. استداروا مشوهين ومدميين ليروا كم بقي منهم، لكنهم كانوا الوحيدين. ملأ الخوف واليأس قلوبهم. كانت المنطقة غير معروفة، جبلية، صخرية – لا توجد طرق أو ممرات في أي مكان. لقد مروا بطريق قبل يومين من وصولهم إلى هذا المكان لكنهم تركوه وراءهم. قادهم القائد إلي هذا المكان.

لقد فكروا في العديد من الأصدقاء والأقارب الذين ماتوا في هذه الرحلة الرائعة. تغلب عليهم حزن أقوى من الألم في أطرافهم المصابة بالشلل. لقد شهدوا تدميرهم بأعينهم.

وصعد المتحدث إلى الزعيم وبدأ يتحدث بصوت مرهق مرتجف مليء بالألم واليأس والمرارة.

– إلي أين سنذهب الان؟

كان القائد صامتا.

– إلى أين تأخذنا وإلى أين أتيت بنا؟ وضعنا أنفسنا وعائلاتنا بين يديك وتبعناك، تاركين وراءنا منازلنا ومقابر أجدادنا على أمل أن ننقذ أنفسنا من الخراب في تلك الأرض القاحلة. لكنك دمرتنا بطريقة أسوأ. كانت هناك مائتي عائلة ورائك والآن انظر كم بقي منا!

– تقصد أن الجميع ليسوا هنا؟ – تمتم الزعيم دون أن يرفع رأسه.

– كيف يمكنك طرح مثل هذا السؤال؟ ارفع رأسك وانظر! عد كم منا بقي في هذه الرحلة المؤسفة! انظر إلى الشكل الذي نحن فيه! كان من الأفضل لو متنا على أن نصبح عاجزين بهذه الطريقة.

– لا أستطيع أن أنظر إليك!

– لما لا؟

– أنا كفيف.

صمت تام.

– هل فقدت بصرك أثناء الرحلة؟

– لقد ولدت أعمى!

دلي الثلاثة رؤوسهم في حالة من اليأس.

هبت رياح الخريف بشكل شرير عبر الجبال وأسقطت الأوراق الذابلة. حلق ضباب فوق التلال، ومن خلال الهواء البارد والضباب رفرفت أجنحة الغربان. دوى نعيق سيئ. كانت الشمس مختبئة وراء الغيوم التي كانت تتدحرج وتسرع في إخفاءالشمس أسرع فأسرع.

نظر الثلاثة إلى بعضهم البعض في رعب شديد.

– أين نذهب الآن؟ – تمتم أحدهم.

– لا نعلم!

 

في بلغراد، 1901.
عن مشروع «رادوي دومانوڤيتش» ترجمة: د. بيشوي عاطف قيصر، 2020.

القائد — ٢

(الصفحة السابقة)

في اليوم التالي اجتمع كل من تحلى بالشجاعة للذهاب في رحلة طويلة. جاءت أكثر من مائتي عائلة إلى المكان المحدد. بقي عدد قليل فقط في القرية لرعاية موقع المنزل القديم.

كان من المحزن حقًا أن ننظر إلى هذا العدد الكبير من الأشخاص البائسين الذين أجبرهم مصيرهم المرير على التخلي عن الأرض التي ولدوا فيها والتي وضعوا فيها قبور أسلافهم. كانت وجوههم هزيلة، منهكة، بالية ومليئة بحروق الشمس. وأظهرت معاناة سنوات طويلة شاقة أثرها عليهم ونقل صورة البؤس واليأس المرير. ولكن في هذه اللحظة بالذات، كان هناك بارقة أمل – ممزوجة بالحنين إلى الوطن بالتأكيد. تدفقت دمعة على الوجه المتجعد لكثير من كبار السن الذين تنهدوا بيأس وهزوا رؤوسهم بجو من نذير الشر. يفضلون البقاء لبعض الوقت حتى يموتوا هم أيضًا بين هذه الصخور بدلاً من البحث عن وطن أفضل. كثير من النساء يندبن بصوت عالٍ ويودعن أحبائهن القتلى الذين يغادرون قبورهم.

كان الرجال يحاولون تشكيل جبهة شجاعة وكانوا يصرخون، – حسنًا، هل تريدون الاستمرار في الجوع في هذه الأرض الملعونة والعيش في هذه الأكواخ؟ – في الواقع، كانوا يودون أن يأخذوا معهم المنطقة الملعونة بأكملها إذا كان ذلك ممكنًا.

كان هناك ضجيج وصراخ معتاد كما هو الحال في كل كتلة من الناس. كان كل من الرجال والنساء مضطربين. كان الأطفال يصرخون في المهد على ظهور أمهاتهم. حتى الماشية كانت قلقة بعض الشيء. لم يكن هناك الكثير من الماشية،عجل هنا وهناك، ثم كان هناك حصان ركوب هزيل أشعث برأس كبير وأرجل سمينة كانا يحملان عليه سجادًا قديمًا وأكياسًا و حقيبتين على سرج الظهر، حتى يتمايل الحيوان الفقير تحت الوزن. ومع ذلك فقد تمكنت من السهر والصهيل من وقت لآخر. كان آخرون يقومون بتحميل الحمير ؛ كان الأطفال يسحبون الكلاب من السلاسل. الحديث والصراخ والشتم والنحيب والبكاء والنباح والصهيل – كلها كانت متوافرة و بكثرة. حتى الحمار نهق مندهشا عدة مرات. لكن الزعيم لم ينطق بكلمة، وكأن الأمر برمته ليس من اختصاصه. رجل حكيم حقيقي!

لقد جلس متأملًا وصامتًا ورأسه إلى أسفل. بين الحين والآخر يبصق. هذا كل شئ. لكن بسبب سلوكه الغريب، نمت شعبيته كثيرًا لدرجة أن الجميع كانوا علي استعداد أن يمروا بالنار والماء، كما يقولون، من أجله. كان يمكن سماع المحادثات التالية:

– يجب أن نكون سعداء لأننا وجدنا مثل هذا الرجل. لو مضينا بدونه لا سمح الله! كنا سنهلك. أقول لكم إنه يتمتع بذكاء حقيقي! إنه صامت. لم ينطق بكلمة واحدة بعد! – قال أحدهم وهو ينظر إلى القائد باحترام وفخر.

– ماذا يقول؟ من يتحدث كثيرا لا يفكر كثيرا. رجل ذكي، هذا مؤكد! إنه يفكر فقط ولا يقول شيئًا، – أضاف آخر، ونظر أيضًا إلى القائد برهبة.

– ليس من السهل قيادة الكثير من الناس! يجب أن يجمع أفكاره لأنه حصل على وظيفة كبيرة بين يديه، – قال الأول مرة أخرى.

حان الوقت للتحرك. ومع ذلك، فقد انتظروا فترة ليروا ما إذا كان أي شخص آخر سيغير رأيه ويأتي معهم، لكن نظرًا لعدم قدوم أحد، لم يعد بإمكانهم الإنتظار أكثر.

– ألا يجب أن نذهب؟ – سألوا القائد.

قام دون أن يقول كلمة واحدة.

اجتمع الرجال الأكثر شجاعة حوله على الفور ليساعدوه في حالة الخطر أو الطوارئ.

أخذ القائد عابسًا ورأسه إلى الأسفل، بضع خطوات، وهو يهزّ عصاه أمامه بطريقة كريمة. تحرك الجمع من ورائه وصرخوا عدة مرات، „يعيش قائدنا!“ أخذ بضع خطوات أخرى واصطدم بالسياج أمام قاعة القرية. بطبيعة الحال، توقف. لذلك توقفت المجموعة أيضًا. ثم تراجع القائد قليلاً وضرب عصاه على السياج عدة مرات.

– ماذا تريد منا أن نفعل؟ – لقد سألوا.

لم يقل شيئا.

– ماذا علينا ان نفعل؟ هدم السياج! هذا ما يتعين علينا القيام به! ألا ترون أنه أظهر لنا بعصاه ماذا نفعل؟ – صرخ الذين وقفوا حول القائد.

– ها هي البوابة! ها هي البوابة! – صرخ الأطفال وأشاروا إلى البوابة التي أمامهم.

– الصمت، اهدؤوا يا أطفال!

– ساعدنا يا الله, ما الذي يحدث؟ – عدد قليل من النساء عبرن عن أنفسهن.

– ولا كلمة! هو يعرف ماذا يفعل اهدموا السياج!

في لحظة سقط السياج وكأنه لم يكن هناك من قبل.

مروا عبر السياج.

بالكاد قطعوا مائة خطوة عندما اصطدم القائد بشجيرة شائكة كبيرة وتوقف. وبصعوبة بالغة، تمكن من سحب نفسه ثم بدأ في تحريك عصاه في كل الاتجاهات. لم يتزحزح أحد.

– ماذا الآن؟ – صرخ أولئك في المؤخرة.

– اقطعوا الشجيرة الشائكة! – صرخ الواقفون حول القائد.

– ها هو الطريق، خلف الشجيرات الشائكة! هذا هو! – صرخ الأطفال وحتى كثير من الناس في الخلف.

– هناك طريق! ها هو الطريق! – سخر من كانوا حول القائد، مقلدين بغضب. – وكيف يمكننا نحن المكفوفين أن نعرف إلى أين يقودنا؟ لا يمكن للجميع إعطاء الأوامر. يعرف القائد الطريق الأفضل والأكثر مباشرة. اقطعوا الشجيرات الشائكة!

اندفعوا لإفساح الطريق.

– آآه، – بكى شخصًا عالق في يده شوكة وشخص آخر أصيب وجهه بغصن توت العليق.

– أيها الإخوة، لا يمكننا الحصول على شيء مقابل لا شيء. عليكم أن تجهدوا أنفسكم قليلاً لتنجحوا – أجاب الأشجع في المجموعة.

اخترقوا الشجيرات بعد مجهود كبير وتقدموا إلى الأمام.

بعد تجولهم قليلاً، وصلوا إلى مجموعة من جذوع الأشجار. تم إلقاء هذه أيضًا على الجانب. ثم تابعوا.

تمت تغطية القليل من الأرض في اليوم الأول لأنه كان عليهم التغلب على العديد من العقبات المماثلة. وكل هذا بقليل من الطعام لأن البعض أحضر فقط الخبز المجفف والقليل من الجبن بينما لم يكن لدى البعض الآخر سوى بعض الخبز لإشباع جوعهم. البعض لم يكن لديه شيء على الإطلاق. لحسن الحظ، كان هذا في فصل الصيفو كانوايعثرون على شجرة فاكهة هنا وهناك.

و على الرغم من أنه في اليوم الأول كان هناك مسافة صغيرة فقط خلفهم، فقد شعروا بالتعب الشديد. لم تظهر مخاطر كبيرة ولم تكن هناك حوادث أيضًا. بطبيعة الحال، في مثل هذا العمل الكبير، يجب اعتبار الأحداث التالية مجرد أشياء تافهة: شوكة تلتصق بالعين اليسري لامرأة، وغطتها بقطعة قماش مبللة ؛ طفل واحد اصطدم بجذع شجرة و صار أعرجا ؛ تعثر رجل عجوز فوق شجيرة توت عليق ولوى كاحله ؛ بعد وضع البصل المبشور عليها، تحمّل الرجل الألم بشجاعة، متكئًا على عصاه، يعرج إلى الأمام ببسالة خلف القائد. (من المؤكد أن العديد قالوا إن الرجل العجوز كان يكذب حول كاحله، وأنه كان يتظاهر فقط لأنه كان حريصًا على العودة.) وسرعان ما كان هناك القليل ممن لم يكن لديهم شوكة في ذراعهم أو وجه مخدوش. لقد تحمل الرجال كل هذا بشكل بطولي بينما النساء لعنت الساعة التي غادرن فيها وبكت الأطفال، بطبيعة الحال، لأنهم لم يفهموا أن كل هذا الكدح والألم سيكافأ و بوفرة.

لم يحدث شيء على الإطلاق للقائد، مما أدى إلى سعادة الجميع وفرحهم. بصراحة، إذا أردنا أن نقول الحقيقة، فقد كان محميًا للغاية، ولكن مع ذلك، كان الرجل ببساطة محظوظًا.

في المخيم في الليلة الأولى صلى الجميع وشكروا الله على أن رحلة اليوم كانت ناجحة ولم يصب القائد بأي شيء، ولا حتى أدنى سوء حظ. ثم بدأ أحد أشجع الرجال في الكلام. كان وجهه مخدوش من شجيرة توت عليق، لكنه ببساطة لم ينتبه لها.

– بدأ قائلا: أيها الإخوة رحلة يوم واحد تقع خلفنا بنجاح والحمد لله. الطريق ليس سهلاً، لكن يجب علينا الالتزام به لأننا نعلم جميعًا أن هذا الطريق الصعب سيقودنا إلى السعادة. حفظ الله قائدنا من كل مكروه حتى يستمر في قيادتنا بنجاح.

– غدا سأفقد عيني الأخرى إذا سارت الأمور كما سارت اليوم! – قالت إحدى النساء بغضب.

– آآه يا قدمي! – صرخ الرجل العجوز متشجعا بكلام المرأة.

استمر الأطفال في النحيب والبكاء، وواجهت الأمهات صعوبة في إسكاتهم حتى يمكن سماع المتحدث.

– نعم، ستفقدي عينك الأخرى، – انفجر بغضب – وقد تفقدي كليهما! ليس شيئا هاما أن تفقد امرأة واحدة عينيها لمثل هذه القضية العظيمة. يا للعار! ألا تفكري يومًا في رفاهية أطفالك؟ دعونا نهلك نصفنا في هذا المسعى! ما الفرق الذي يحدثه؟ ما هي عين واحدة؟ ما فائدة عينيك و بصيرتك عندما يكون هناك من يبحث لنا ويقودنا إلى السعادة؟ هل يجب أن نتخلى عن تعهدنا فقط بسبب عينك وساق الرجل العجوز؟

– انه يكذب! الرجل العجوز يكذب! إنه يتظاهر بالألم فقط حتى يتمكن من العودة –دوت أصوات من جميع الجهات.

– أيها الإخوة، من لا يريد أن يذهب أبعد من ذلك – قال المتحدث مرة أخرى، – دعوه يعود بدلاً من الشكوى وإثارة شكوك البقية منا. كل ما أعلم أني سأتبع هذا القائد الحكيم طالما بقي شيء في داخلي!

– سنتبعه جميعنا! سوف نتبعه جميعًا ما دمنا علي قيد الحياة!

كان القائد صامتا.

بدأ الجميع ينظرون إليه و يهمسون:

– إنه مستغرق في أفكاره!

– رجل حكيم!

– انظر إلى جبهته!

– ودائما عابس!

– جاد!

– إنه شجاع! هذا واضح في كل تصرفاته.

– تستطيع قول ذلك مجددا! السياج، جذوع الأشجار، العوارض – إنه يخترق كل شئ. ينقر على عصاه في حزن، دون أن يقول شيئًا، ويجب أن تخمنوا ما يدور في ذهنه.

(الصفحة التالية)

القائد — ١

– الإخوة والأصدقاء، لقد استمعت إلى كل خطاباتكم، لذا أطلب منكم الآن الاستماع إليَ. كل مداولاتنا ومحادثاتنا لا تساوي شيئاً طالما بقينا في هذه المنطقة القاحلة. في هذه التربة الرملية وعلى هذه الصخور لا يقدر شيئاأن ينمو، حتى عندما كانت هناك سنوات ممطرة، ناهيك عن هذا الجفاف الذي لم يره أحد منا من قبل.

إلى متى سوف نجتمع هكذا ونتحدث عبثا؟ الماشية تموت بدون طعام، وسرعان ما سنتضور نحن وأطفالنا جوعا. يجب أن نجد حلاً آخر أفضل وأكثر منطقية. أعتقد أنه سيكون من الأفضل ترك هذه الأرض القاحلة والانطلاق إلى العالم للعثور على تربة أفضل وأكثر خصوبة لأننا ببساطة لا نستطيع العيش على هذا النحو بعد الآن.

وهكذا تحدث أحد سكان بعض المقاطعات التي تعاني من القحط مرة واحدة بصوت متعب في اجتماع ما. أين ومتى كان ذلك لا يعنيك أو يعنيني على ما أعتقد. من المهم أن تصدقني أنه حدث في مكان ما في بعض الأراضي منذ فترة طويلة، وهذا يكفي. لأكون صادقًا، اعتقدت في وقت ما أنني اخترعت هذه القصة بأكملها بطريقة ما، لكن شيئًا فشيئًا حررت نفسي من هذا الوهم البغيض. الآن أعتقد اعتقادًا راسخًا أنني سأروي ما حدث بالفعل ويجب أن يكون قد حدث في مكان ما وفي وقت ما وأنه لم يكن بإمكاني أبدًا اختلاقه بأي وسيلة.

بدا المستمعون، بوجوههم الباهتة المتهالكة ونظراتهم الفارغة الكئيبة، غير المستوعبة تقريبًا، وأيديهم تحت أحزمتهم، وكأنهم يعودون الي الحياة بهذه الكلمات الحكيمة. كان كل منهم يتخيل بالفعل أنه كان في نوع من السحر، او في الأرض الفردوسية حيث ستكون مكافأة العمل الشاق حصادًا غنيًا.

– إنه على حق! إنه على حق! – همست الأصوات المنهكة من جميع الجهات.

– هل هذا المكان قر..قري..قريب؟ – قيلت بهمهمة مع نفخة طويلة من ركن ما.

– يا اخوة! – بدأ آخر بصوت أقوى إلى حد ما. – يجب أن نتبع هذه النصيحة على الفور لأننا لا نستطيع المضي على هذا النحو بعد الآن. لقد كدحنا وأجهدنا أنفسنا، لكن كل ذلك ذهب سدى. لقد زرعنا بذورًا كان من الممكن استخدامها كطعام، لكن الفيضانات جاءت وجرفت البذور والتربة بعيدًا عن المنحدرات ولم يتبق منها سوى الصخور العارية. هل يجب أن نبقى هنا إلى الأبد ونعمل من الصباح إلى المساء فقط لنبقى جائعين وعطاش، عراة وحفاة الأقدام؟ علينا أن ننطلق ونبحث عن تربة أفضل وأكثر خصوبة حيث ينتج عن العمل الجاد محاصيل وفيرة.

– لنذهب! دعنا نذهب على الفور لأن هذا المكان لم يعد مناسبًا للعيش فيه!

بدأ الهمس، وبدأ كل منهم يمشي بعيدًا، دون أن يفكر في وجهته.

– انتظروا أيها الإخوة! إلى أين تذهبون؟ – بدأ المتحدث الأول مرة أخرى. – بالتأكيد يجب أن نذهب، لكن ليس هكذا. علينا أن نعرف إلى أين نحن ذاهبون. وإلا فقد ينتهي بنا الأمر في وضع أسوأ بدلاً من إنقاذ أنفسنا. أقترح أن نختار قائدًا يجب علينا جميعًا أن نطيعه ويظهر لنا أفضل و أكثر طريقة مباشرة.

– دعنا نختار! دعنا نختار شخصًا ما على الفور، – قيلت في كل مكان.

الآن فقط ظهر الجدال، فوضى حقيقية. كان الجميع يتحدث ولا أحد كان يسمع او حتي كان قادرا علي الاستماع. بدأوا بالانقسام إلي مجموعات، كل شخص يتكلم عن نفسه، ثم تفككت تلك المجموعات. في ثنائيات، بدأوا يتحدثون لبعضهم البعض باستخدام أياديهم، ويتحدثون، ويحاولون إثبات شيء ما، ويسحبون بعضهم البعض من الكم، ويكسرون الصمت باستخدام أيديهم. ثم اجتمعوا مرة أخرى، وكانوا لا يزالوا يتحدثون.

– يا إخوة! – فجأة دوى صوت أقوى مما أدى إلى إسكات جميع الأصوات الباهتة الأخرى. – لا يمكننا التوصل إلى أي نوع من الاتفاق بهذه الطريقة. الجميع يتحدث ولا أحد يسمع. دعونا نختار قائدًا! من من بيننا يمكننا اختياره؟ من منا سافر بما يكفي ليعرف الطرق؟ نحن جميعًا نعرف بعضنا البعض جيدًا، ومع ذلك فأنا شخصياً لن أضع نفسي وأولادي تحت قيادة شخص واحد من الأشخاص الموجودة هنا. بدلاً من ذلك، أخبروني من يعرف ذلك المسافر الذي كان يجلس في الظل على حافة الطريق منذ الصباح؟

حل الصمت. اتجه الجميع نحو الغريب وأخذوا يتفحصونه من رأسه إلى أخمص قدميه.

المسافر، في منتصف العمر، بوجه حزين نادرًا ما يكون مرئيًا بسبب لحيته وشعره الطويل، جلس وظل صامتًا كما كان من قبل، مستغرقًا في التفكير، و ظل يطرق عصاه الكبيرة على الأرض من وقت لآخر.

– بالأمس رأيت ذلك الرجل نفسه مع صبي صغير. كانوا يمسكون أيادي بعضهم البعض ويمشون في الشارع. وفي الليلة الماضية غادر الصبي القرية ولكن الغريب بقي هنا.

– أخي، دعنا ننسى هذه التفاهات السخيفة حتى لا نخسر أي وقت. أيا يكن، فقد جاء من مكان بعيد لأن لا أحد منا يعرفه وهو بالتأكيد يعرف أقصر وأفضل طريق ليقودنا. أري أنه رجل حكيم جدا لأنه يجلس هناك بصمت ويفكر. أي شخص آخر كان قد تدخل بالفعل في شؤوننا عشراتالمرات أو أكثر حتى الآن أو كان سيبدأ محادثة مع أحدنا، لكنه جالسًا هناك طوال الوقت بمفرده ولم يقل شيئًا.

– بالطبع الرجل يجلس بهدوء لأنه يفكر في شيء ما. لا يمكن أن يكون شيئا آخر لا بد أنه ذكي للغاية – وافق الآخرين وبدأوا يفحصون الغريب مرة أخرى. اكتشف كل منهم سمة رائعة فيه، دليل على ذكائه غير العادي.

لم يمض الكثير من الوقت في الحديث، و اتفق الجميع على أنه من الأفضل أن يسألوا هذا المسافر – الذي بدا لهم أن الله قد أرسله ليقودهم إلى العالم للبحث عن أرض أفضل وتربة أكثر خصوبة. ينبغي أن يكون قائدا لهم، وأن يستمعوا إليه ويطيعوه دون سؤال.

اختاروا عشر رجال من بينهم ليذهبوا إلى الغريب ليشرحوا له قرارهم. كان على هذا الوفد أن يريه وضعهم البائس ويطلب منه أن يكون زعيمهم.

فتقدم العشرة وانحنوا. بدأأحدهم يتحدث عن التربة غير المنتجة في المنطقة، وعن سنوات الجفاف والبؤس الذي وجدوا أنفسهم فيه جميعًا. أنهى كلامه على النحو التالي:

– تجبرنا هذه الظروف على ترك بيوتنا وأرضنا والخروج إلى العالم لإيجاد وطن أفضل. فقط في هذه اللحظة التي توصلنا فيها إلى اتفاق، يبدو أن الله قد رحمنا، و أرسلك إلينا – أنت، أيها الشخص الغريب الحكيم والمستحق – وأنك ستقودنا وتحررنا من بؤسنا. باسم جميع السكان هنا، نطلب منك أن تكون قائدنا. أينما تذهب، سوف نتبعك. أنت تعرف الطرق وبالتأكيد ولدت في وطن أسعد وأفضل. سنستمع إليك ونطيع كل أوامرك. هل توافق، أيها الغريب الحكيم، على إنقاذ أرواح كثيرة من الخراب؟ هل ستكون قائدنا؟

طوال هذا الخطاب التوسيلي، لم يرفع الغريب الحكيم رأسه أبدًا. طوال الوقت ظل في نفس الوضع الذي وجدوه فيه خافضا رأسه و عابسًا ولم يقل شيئًا. كان ينقر بعصاه على الأرض من وقت لآخر ويفكر. عندما انتهى الخطاب، تمتم باقتضاب وببطء دون تغيير وضعيته:

– حسنا, سأقودكم!

– إذا, هل يمكننا الذهاب معك والبحث عن مكان أفضل؟

– نعم, يمكنكم! – واصل دون أن يرفع رأسه.

نشأ الآن الحماس والتعبير عن التقدير، لكن الغريب لم يقل كلمة واحدة لأي منهم.

أبلغ العشرة الحشد عن نجاحهم، مضيفين أنهم الآن فقط رأوا الحكمة العظيمة التي يمتلكها هذا الرجل.

– لم يتحرك حتى من مكانه ولم يرفع رأسه على الأقل ليرى من كان يتحدث معه. جلس هادئا و كان يتأمل. ردا علي كل حديثنا وتقديرنا قال أربع كلمات فقط.

– حكيم حقيقي! ذكاء نادر! – صرخوا بسعادة من جميع الجهات مدعين أن الله نفسه أرسله كملاك من السماء لإنقاذهم. كان الجميع مقتنعين بشدة بالنجاح في ظل هذا القائد الذي لا يمكن لأي شيء في العالم أن يزعجه. ولذا تقرر الخروج في اليوم التالي عند بزوغ الفجر.

(الصفحة التالية)

ختم

كان لدي حلم مروع. لا أتساءل كثيرًا عن الحلم نفسه، لكني أتساءل كيف أجد الشجاعة لأحلم بأشياء مروعة، عندما أكون مواطنًا هادئًا ومحترمًا، طفل مطيع لأمنا العزيزة المنكوبة صربيا، تمامًا مثل جميع أطفالها الآخرين. بالطبع، كما تعلم، إذا كنت استثنائي في أي شيء، فسيكون الأمر مختلفًا، لكن لا يا صديقي العزيز، أفعل نفس الشيء تمامًا مثل أي شخص آخر، وفيما يتعلق بالحذر في كل شيء، لا يمكن لأحد أن يضاهيني في هذا الأمر. بمجرد أن رأيت زرًا لامعًا لزي شرطي ملقى في الشارع، وحدقت في وهجه السحري، تقريبًا و أنا علي وشك المرور، مملوءا بالذكريات الجميلة، فجأة، بدأت يدي ترتجف وترتفع لإلقاء التحية ؛ انحنت رأسي إلى الأرض من تلقاء نفسها، وانفتح فمي إلى تلك الابتسامة الجميلة التي نرتديها جميعًا عندما نحيي رؤسائنا.

– الدم النبيل يجري في عروقي – هذا هوالأمر! – هذا ما كنت أفكر فيه في تلك اللحظة ونظرت بازدراء إلى العابر الغاشم الذي داس على الزر بلا مبالاة.

– غاشم! – قلت بمرارة، وبصقت، ثم مشيت بهدوء، معززًا بفكرة أن مثل هؤلاء المتوحشين قليلون ؛ وكنت سعيدًالأن الله قد وهبني قلبًا نقيًا ودمًا نبيلًا شهمًا مثل الذي كان لأسلافنا.

حسنًا، يمكنك الآن أن ترى كم أنا رجل رائع، لست مختلفًا على الإطلاق عن المواطنين المحترمين الآخرين، ولا شك أنك ستتساءل كيف يمكن أن تحدث مثل هذه الأشياء الفظيعة والحمقاء في أحلامي.

لم يحدث لي شيء غير عادي في ذلك اليوم. تناولت عشاءً جيدًا وبعد ذلك جلست أنظف أسناني في وقت الفراغ. أرتشف نبيذي، وبعد ذلك، بعد أن استخدمت حقوقي بشجاعة كمواطن، ذهبت إلى الفراش وأخذت معي كتابًا من أجل أن يساعدني علي النوم بشكل أسرع.

سرعان ما انزلق الكتاب من يدي، بعد أن أشبع رغبتي بالطبع، وبعد أن أنجزت كل واجباتي، نمت بريئا مثل الحمل.

وجدت نفسي في الحال على طريق ضيق موحل يمر عبر الجبال. ليلة سوداءباردة. تعوي الرياح بين الأغصان القاحلة وتجرح مثل أمواس الحلاقة كلما لمست جلدي المكشوف. السماء سوداء، قاحلة، ومخيفة، والثلج، مثل الغبار، يدخل في عين المرء ويضرب على وجهه. لا روح حية في أي مكان. أمشي بسرعة أكبر بين الحين والآخر أنزلق على الطريق الموحل إلى اليسار، إلى اليمين. إنني أترنح وأسقط وفي النهاية ضل طريقي، أتجول – الله أعلم أين – وهي ليست ليلة قصيرة عادية، بل تبدو كأنها قرن من الزمان، وأنا أمشي طوال الوقت دون أن أعرف أين أمشي أو إلي أين أتجه.

مشيت لسنوات عديدة وجئت إلى مكان بعيد، بعيد عن بلدي الأم مشيت إلى جزء غير معروف من العالم، إلى أرض غريبة ربما لا يعرفها أحد، وأنا متأكد من أنه لا يمكن رؤيتها إلا في الأحلام.

بينما أتجول في الأرض, جئت إلى مدينة كبيرة يعيش فيها الكثير من الناس. في السوق الكبير، كان هناك حشد ضخم من الناس، وحدثت ضوضاء مروعة، ضوضاءتكفي لتفجير طبلة الأذن. أقمت في نزلمواجه للسوق وسألت المالك عن سبب تجمع هذا الحشد الكبير…

– نحن شعب هادئ ومحترم – بدأ قصته – نحن مخلصون ومطيعون لعمدة المنطقة.

– هل العمدة هو السلطة العليا لكم؟ – سألته مقاطعا.

– العمدة هو السلطة العليا لدينا ؛ تأتي الشرطة بعد ذلك.

-ضحكت.

–  لماذا تضحك؟ … الم تكن تعلم؟ … من أي بلد أنت؟

أخبرته كيف ضللت طريقي، وأنني أتيت من أرض بعيدة – صربيا.

– لقد سمعت عن ذلك البلد الشهير! –قالها هامسا لنفسه، ونظر إلي باحترام، ثم تكلم بصوت عالٍ:

– هذه هي طريقتنا – وتابع – يحكم العمدة هنا مع رجاله الشرطيين.

– كيف حال رجال الشرطة لديك؟

– حسنًا، هناك أنواع مختلفة من رجال الشرطة – تختلف بحسب رتبهم. هناك الأكثر تميزًا والأقل تميزًا … نحن، كما تعلم، أناس هادئون ومحترمون، لكنالمشردين يأتون من الأحياء المجاورة، فهميفسدوننا ويعلمونا الشر. لتمييز كل مواطن من مواطنينا عن غيره من الناس، أصدر القاضي أمس أمرًا بأن يذهب جميع مواطنينا إلى المحكمة المحلية، حيث يتم وضع ختم على جبين كل منا. هذا هو السبب في أن الكثير من الناس اجتمعوا: من أجل أن يأخذوا استشارة أو نصيحةعلي ما يجب القيام به.

ارتجفت وظننت أنني يجب أن أهرب من هذه الأرض الغريبة بأسرع ما يمكن، لأنني، على الرغم من أنني صربي، لم أكن معتادًا على مثل هذا العرض لروح الفروسية، وكنت قلقًا حيال ذلك!

ضحك صاحب النزل بلطف وربت على كتفي وقال بفخر:

– آه، أيها الغريب، هل هذا كافٍ لتخويفك؟ لا عجب، عليك أن تقطع شوطا طويلا لتجد شجاعة مثل شجاعتنا!

– وماذا تنوي أن تفعل؟ – سألت بخجل.

– يا له من سؤال! سترى كم نحن شجعان. أقول لك إن عليك أن تقطع شوطا طويلا لتجد شجاعة مثل شجاعتنا. أنت سافرت مسافات بعيدة وشاهدت العالم، لكنني متأكد من أنك لم و لن ترَ أبدًا أبطالًا أعظم منا. دعنا نذهب هناك معا. يجب علي أن أسرع.

كنا على وشك الذهاب عندما سمعنا، أمام الباب، صوت لسعالسوط.

نظرت إلى الخارج: كان هناك مشهد يستحق المشاهدة – رجل يرتدي قبعة لامعة للخدمة العسكرية و بها ثلاثة قرون على رأسه، يرتدي بدلة مبهرجة، كان يركب ظهر رجل آخر بملابس غالية و فخمة جدًا من قطع ملابس مدنية عادية. توقف أمام النزل ونزل الراكب.

خرج مالك النزل وانحنى على الأرض، وذهب الرجل الذي يرتدي البدلة المبهرجة إلى النزل إلى طاولة مزينة بشكل خاص. الرجل الذي كان يرتدي ثياباً مدنية بقي أمام النزل وانتظر. انحنى له المالك أيضًا.

– ما كل هذا؟ – سألت المالك، في حيرة شديدة.

– حسنًا، الشخص الذي دخل النزل هو شرطي من رتبة عالية، وهذا الرجل هو واحد من أكثر مواطنينا تميزًا، غني جدًا، ووطني عظيم، – همس المالك.

– لكن لماذا ترك الآخر يركب على ظهره؟

هز المالك رأسه وتنحينا جانبًا. ابتسم لي ابتسامة مزدهرة وقال:

– نعتبره شرفًا عظيمًا نادرًا ما يُستحق! – أخبرني الكثير من الأشياء إلى جانب ذلك، لكنني كنت متحمسًا جدًا لدرجة أنني لم أتمكن من فهمها كلها. لكنني سمعت بوضوح ما قاله في النهاية: – إنها خدمة المواطن لبلده, ما لم تتعلم جميع الدول حتى الآن تقديرها!

 

لقد جئنا إلى الاجتماع وكان انتخاب الرئيس جاريًا بالفعل.

وضعت المجموعة الأولى رجلاً اسمه كولب، إذا تذكرت الاسم بشكل صحيح، كمرشحها للكرسي ؛ المجموعة الثانية أرادت طالب (اسم المرشح)، والمجموعة الثالثة كان لها مرشحها.

كان هناك ارتباك مخيف. أرادت كل مجموعة دفع رجلها.

– أعتقد أنه ليس لدينا رجل أفضل من كولب لرئاسة مثل هذا الاجتماع المهم، – قال صوت من المجموعة الأولى – لأننا جميعًا نعرف جيدًا فضائله كمواطن وشجاعته العظيمة. لا أعتقد أن هناك أي شخص بيننا هنا يمكنه التباهي بعدد الأشخاص المهمين الذين ركبوه مثل كولب…

– من أنت لتتحدث عن ذلك؟ – صرخ أحدهم من المجموعة الثانية. – لم يركبك كاتب شرطة مبتدئ أبدا!

– نحن نعلم ما هي فضائلك – صرخ شخص من المجموعة الثالثة. – لا يمكنك أن تتحمل ضربة واحدة بالسوط بدون عويل!

– دعونا نصلح هذا، أيها الإخوة! – بدأ كولب. – صحيح أن شخصيات مرموقة كانوا يركبون على ظهري منذ عشر سنوات ؛ لقد جلدوني ولم أبكي أبدًا، لكن قد يكون هناك من يستحقون بيننا أكثر. ربما يكون هناك شباب أفضل.

– لا، لا، – صرخ أنصاره.

– لا نريد أن نسمع عن مرات الشرف القديمة! لقد مرت عشر سنوات على الركوب على كولب، – صاحت أصوات المجموعة الثانية.

– الدم الصغير يسيطر، دع الكلاب العجوزة تمضغ العظام القديمة، – قالها البعض من المجموعة الثالثة.

وفجأة لم يعد هناك ضوضاء. تحرك الناس للخلف، يسارًا ويمينًا، لإخلاء الطريق ورأيت شابًا في الثلاثين تقريبًا. عندما اقترب، انحنت كل الرؤوس.

– من هذا؟ – همست لمالك العقار.

– هو القائد الشعبي. شاب لكنه واعد جدا. كان بإمكانه في أيامه الأولى التباهي بأنه حمل العمدة على ظهره ثلاث مرات. إنه أكثر شهرة من أي شخص آخر.

– ربما سينتخبونه؟ – أنا سألت.

– هذا أكثر من مؤكد، لأنه كما هو الحال بالنسبة لجميع المرشحين الآخرين – سنهم كلهم كبير جدا، تجاوزهم الزمن، أما هذا, فقد ركب القاضي ظهره لبعض الوقت بالأمس.

– ما اسمه؟

– كليرد.

أعطوه مكانة شرف كبيرة.

– أعتقد، – كسر صوت كولب الصمت – أننا لا نستطيع إيجاد رجل أفضل لهذا المنصب من كليرد. إنه شاب صغير السن، لكن لا أحد منا نحن الكبار يساويه شرفا.

– اسمعوا، اسمعوا!… يحيا كليرد!… – هتفت كل الأصوات.

أخذه كولب وطالب إلى مكان الرئيس. انحنى الجميع بشدة، وساد صمت تام.

– أشكركم أيها الإخوة على احترامكم الكبير وهذا الشرف الذي منحتموه لي بالإجماع. آمالكم، التي تركتموها معي الآن، مغرية للغاية. ليس من السهل توجيه سفينة رغبات الأمة في مثل هذه الأيام العظيمة، لكنني سأفعل كل ما في وسعي لإستحقاق و عدم خيانة ثقتكم، وتمثيل رأيكم بصدق، ولأستحق تقديركم الكبير لي. أشكركم يا إخواني على انتخابي.

– مرحى! مرحي! مرحي! – دوت أصوات الناخبين كالرعد من جميع الجهات.

– والآن، أيها الإخوة، أرجو أن تسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن هذا الحدث المهم. ليس من السهل أن نعاني مثل هذه الآلام أو العذاب المخبأ لنا ؛ ليس من السهل أن تكون جبهة المرء موسومة بالحديد الساخن. في الواقع، لا – إنها آلام لا يستطيع جميع الرجال تحملها. لندع الجبناء يرتجفون، دعوهم يرتعدون من الخوف، لكن يجب ألا ننسى للحظة أننا أبناء أسلافنا شجعان، وأن الدماء الكريمة البطولية لأجدادنا تسيل في عروقنا، والفرسان العظام الذين كانوا يموتون من دون أنترعش جفونهم, من أجل الحرية ولصالحنا نحن, ذريتهم الصالحة. معاناتنا طفيفة، إذا تمت مقارنتها بمعاناتهم – فهل نتصرف كأعضاء في سلالة منحطة وجبانة الآن بعد أن عشنا أفضل من أي وقت مضى؟ كل وطني حقيقي، كل من لا يريد أن يضع شعبنا في عار أمام العالم بأسره، سيتحمل الألم كرجل وبطل.

– اسمعوا! اسمعوا! يحيا كليرد!

كان هناك العديد من المتحدثين المتحمسين بعد كليرد ؛ لقد شجعوا الناس الخائفين وكرروا بشكل أو بآخر ما قاله كليرد.

ثم طلب رجل عجوز شاحب متعب، بوجه متجعد وشعره ولحيته بيضاء كالثلج، أن يتحدث. كانت ركبتيه ترتجفان مع تقدم العمر ويداه ترتجفان وظهره منحني. ارتجف صوته و كانت عيناه مملوئتان بالدموع.

– أبنائي، – بدأت بالدموع تنهمر على خده الأبيض المتجعد وتسقط على لحيته البيضاء، – أنا بائس وسأموت قريبًا، ولكن يبدو لي أنه من الأفضل ألا تسمحوا لمثل هذا العار أن يأتي إليكم . عمري مائة عام وعشت حياتي كلها بدون ذلك!… لماذا يجب أن تنعكس ماركة العبودية على رأسي الأبيض المتعب الآن؟…

– فليسقط هذا الوغد العجوز! – صرخ الرئيس.

– فليسقط! – صرخ آخرون.

– العجوز الجبان!

– بدلاً من تشجيع الشباب، فهو يخيف الجميع!

– يجب أن يخجل من شعره الأبيض! لقد عاش طويلاً، ولا يزال خائفًا – نحن الشباب أكثر شجاعة…

– يسقط الجبان!

– ارموه خارجا!

– فليسقط!

اندفع حشد غاضب من الشباب الوطنيين الشجعان إلى الرجل العجوز وبدأوا في دفعه وسحبه وركله من شدة غضبهم.

أخيرًا سمحوا له بالرحيل بسبب عمره – وإلا لكانوا قد رجموه حياً.

لقد تعهدوا جميعًا بأن يكونوا شجعانًا غدًا وأن يظهروا أنهم يستحقون شرف ومجد أمتهم.

غادر الناس الاجتماع بترتيب ممتاز. و كل فرقة قالت:

– غدا سنري معدن كل شخص منا!

– سنقوم بفرز المتفاخرين غدا!

– لقد حان الوقت لكي يميز المستحقون أنفسهم عن غير المستحقين، حتى لا يقدرأي نذل التباهي بقلب شجاع!

 

عدت إلى النزل.

– هل رأيت ما نحن مصنوعون منه؟ – سألني المالك بفخر.

– بالفعل رأيت، – أجبت تلقائيًا، وشعرت أن قوتي قد هجرتني وأن رأسي كان يطن مملوءا بالانطباعات الغريبة.

في ذلك اليوم بالذات قرأت في صحيفتهم مقالًا يتصدر الجريدة جاء على النحو التالي:

– أيها المواطنون، حان الوقت لوقف التفاخر والتباهي الباطل بيننا؛ حان الوقت للتوقف عن تقدير الكلمات الفارغة التي نستخدمها بكثرة من أجل إظهار فضائلنا الوهمية. لقد آن الأوان، أيها المواطنون، أن نختبر كلماتنا وأن نظهر و نميز من يستحق هذا الشرف ومن لا يستحق! لكننا نعتقد أنه لن يكون بيننا جبناء مخجلون سيتعين جلبهم بالقوة إلى مكان وضع الختم علي الجبين. كل واحد منا يشعر في عروقه بقطرة من الدم النبيل لأجدادنا، سيكافح ليكون من أوائل من يتحمل الألم والكرب بفخر وهدوء، فهذا ألم مقدس، إنه تضحية من أجل خير بلدنا ولصالحنا جميعاً. إلى الأمام أيها المواطنون، فغدًا هو يوم الاختبار النبيل!…

 

ذهب صاحب النزل إلى الفراش في ذلك اليوم بعد الاجتماع مباشرة من أجل الوصول في أقرب وقت ممكن إلى المكان المحدد في اليوم التالي. ومع ذلك، ذهب الكثيرون مباشرة إلى دار البلدية ليكونوا أقرب ما يمكن إلى رأس قائمة الانتظار.

في اليوم التالي ذهبت أيضًا إلى دار البلدية. كان الجميع هناك – صغارًا وكبار، ذكورًا وإناث. أحضرت بعض الأمهات أطفالهن الصغار بين أذرعهن حتى يمكن وصمهم بعلامة العبودية، أي الشرف، وبالتالي الحصول على حق أكبر في المناصب العليا في الخدمة المدنية.

كان هناك شتم و تدافع (في هذا الأمر هم يشبهوننا نحن الصرب، وكنت سعيدًا إلى حد ما)، وكان الجميع يجاهدون ليكونوا أول من يقف عند الباب. حتى أن البعض منهم كانوا يجذبون الآخرين من الحلق.

تم وضع علامات الجبين من قبل موظف حكومي خاص يرتدي بدلة رسمية بيضاء كان يوبخ الناس بشكل خفيف:

– لا تتدافعوا، حبا في الله، سيأتي دور الجميع – أنتم لستم حيوانات، أعتقد أننا نستطيع تدبر الأمر دون دفع.

بدأ وضععلامات الجبين. صرخ أحدهم، والآخر تأوه فقط، لكن طوال فترة وجودي هناك لم يستطع أحد تحمل وضع الختم علي جبينه بدون إصدار صوت.

لم أستطع تحمل مشاهدة هذا التعذيب لفترة طويلة، لذلك عدت إلى النزل، لكن البعض منهم كان يأكل ويشرب هناك.

– لقد انتهينا! – قال أحدهم.

– حسنًا، لم نصرخ حقًا، لكن طالب كان ينهق مثل الحمار!… – قال آخر.

– أرأيت ماذا فعل مرشحكم طالب، و أنت الذي أردت تعيينه رئيسًا للاجتماع أمس.

– بالفعل رأيت، لا يمكنك أن تتوقع شئ مثل هذا!

كانوا يتكلمون و هم يتأوهون و يتلوون من الألم، لكنهم يحاولون إخفاء ذلك عن بعضهم البعض، لأن كل منهم كان يخجل من أن يُعتقد أنه جبان.

أحس كليرد بالعار، لأنه تأوه، لكن رجل يدعى لير كان بطلاً لأنه طلب أن يوضع علامتان على جبهته ولم يصدر أي صوت من الألم. كل البلدة كانت تتحدث عنه  باحترام كبير.

هرب بعض الناس، لكن الجميع احتقرهم.

بعد بضعة أيام، كان الشخص الذي يحمل علامتين على جبهته يتجول برأس مرفوع، بكرامة واحترام للذات، مليء بالمجد والفخر، وحيثما ذهب، انحنى الجميع وخلع قبعته لتحية بطل اليوم .

ركض الرجال والنساء والأطفال وراءه في الشارع لرؤية أعظم رجل في البلاد. أينما ذهب، تبعه همسة مستوحاه من الرهبة: „لير، لير! … انه هو! .. هذا هو البطل الذي لم يعوي، الذي لم يصدر أي صوت أثناء وضع علامتان على جبهته! „كان يتصدر عناوين الصحف، ممدوح وممجد.

واستحق حب الناس.

 

بينما كنت أستمع إلى هذا الثناء في كل مكان, بدأت أشعر بالدم الصربي القديم النبيل الذي يسيل في عروقي، كان أسلافنا أبطالًا، لقد ماتوا مخذوقين علي عوارض خشبية من أجل الحرية ؛ لدينا أيضا ماضينا البطولي و(كوسوفو). أشعر بالإثارة و بالفخر الوطني والغرور، وأحرص على إظهار مدى شجاعة سلالتي وأن أهرع إلى دار البلدية صارخا:

– لماذا تمدحون لير؟… لم تروا أبدًا أبطالًا حقيقيين! تعالوا وانظروا بنفسكم كيف يكون الدم الصربي النبيل! أريدك أن تضع عشر أختام على رأسي، وليس اثنين فقط!

أحضر الموظف المدني بالبدلة البيضاء ختمه الحديدي بالقرب من جبهتي، و قبل أن يوضع علي جبهتي بثوانٍ… استيقظت من حلمي.

فركت جبهتي في خوف وعاتبت نفسي، متسائلاعن الأشياء الغريبة التي تظهر في الأحلام.

– كدت أمحي مجد لير بطلهم، – فكرت راضيا، انقلبت، وكنت إلي حد ما أشعر بالحزن لأني لم أصل لنهاية حلمي.

 

في بلغراد، 1899.
عن مشروع «رادوي دومانوڤيتش» ترجمة: د. بيشوي عاطف قيصر، 2020.